في الأسابيع الأخيرة، أعطت البيانات الرسمية ومؤشرات النشاط إشارات مختلطة لكنها مهمة لفهم آخر تطورات الاقتصاد المصري: تراجع التضخم السنوي مقارنةً بذروته التاريخية، تحسّن ملحوظ في نشاط القطاع الخاص غير النفطي، واستمرار دعم الاحتياطي الأجنبي لمتانة الموقف الخارجي.
في المقابل، تبقى التحديات مرتبطة بحساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية مثل اضطراب حركة التجارة العالمية عبر البحر الأحمر وتكلفة التمويل.
هذا المقال يقرأ الأرقام كما هي ويحوّلها إلى صورة أوضح: أين يتحسن السوق؟ وأين تظل نقاط الضغط قائمة؟
تطورات الاقتصاد المصري
الحديث عن تطورات الاقتصاد يعني متابعة مجموعة مؤشرات تُظهر اتجاه السوق بدل الاعتماد على خبر واحد.
أهم هذه المؤشرات: التضخم، قدرة الأسر الشرائية، أسعار الفائدة تكلفة التمويل، مؤشرات النشاط مثل PMI نبض القطاع الخاص، والاحتياطيات الأجنبية قدرة الدولة على مواجهة التزاماتها بالعملة الصعبة.
عندما تتحسن هذه المؤشرات معًا، تزيد احتمالات تحسن مزاج السوق والاستثمار الحقيقي.
أما عندما يتحسن مؤشر ويتراجع آخر، فغالبًا ما نكون في مرحلة انتقالية تحتاج قراءة متوازنة: هل التحسن مستدام أم مؤقت؟
العوامل المؤثرة على الاقتصاد المصري
وتُعد هذه المؤشرات من أهم أدوات تقييم أداء الاقتصاد المصري على المدى القصير.
- التضخم: تراجع سنوي مع استمرار الضغوط الأساسية: أظهرت بيانات نوفمبر 2025 تراجع التضخم الحضري السنوي إلى 12.3% مقابل 12.5% في أكتوبر، مع ارتفاع شهري محدود بلغ 0.3%، مدعومًا بانخفاض أسعار الغذاء. في المقابل، ارتفع التضخم الأساسي إلى 12.5%، ما يشير إلى استمرار بعض الضغوط الهيكلية رغم هدوء الموجة العامة للأسعار.
- السياسة النقدية: حذر في قرارات الفائدة: أبقى البنك المركزي المصري أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماع 20 نوفمبر 2025، بعد تخفيضات سابقة خلال العام، في إشارة إلى توازن بين السيطرة على التضخم ودعم النشاط الاقتصادي دون خلق ضغوط سعرية جديدة.
- نشاط القطاع الخاص: عودة إلى التوسع: ارتفع مؤشر مديري المشتريات (PMI) للقطاع الخاص غير النفطي إلى 51.1 نقطة في نوفمبر مقابل 49.2 في أكتوبر، ليعود فوق مستوى التوسع، مدعومًا بتحسن الطلب وارتفاع الإنتاج.
- الاحتياطي الأجنبي: دعم للموقف الخارجي: سجل صافي الاحتياطيات الدولية 50.215 مليار دولار بنهاية نوفمبر 2025، ما يعزز ثقة الأسواق في قدرة الدولة على تمويل الواردات والوفاء بالالتزامات الخارجية.
- قناة السويس والتجارة العالمية: تأثرت إيرادات قناة السويس باضطرابات البحر الأحمر خلال 2024، بينما تشير التوقعات إلى تحسن نسبي خلال 2025 مع عودة تدريجية لحركة الملاحة، مع بقاء المخاطر الجيوسياسية قائمة.
تحليل قطاعات أو محركات في السوق
- السياحة: مصدر عملة صعبة يتجه للتعافي: البيانات المتاحة خلال 2025 أشارت إلى نمو ملحوظ في السياحة، من حيث أعداد الوافدين والإيرادات. تقارير محلية نقلت أرقامًا عن زيادة قوية في إيرادات السياحة خلال فترة يوليو–مارس (2024/2025) إلى 12.5 مليار دولار مقارنةً بـ 10.9 مليار في الفترة المماثلة. هذا المسار إذا استمر، يخفف ضغط الميزان الخارجي ويعوض جزئيًا أي تذبذب في إيرادات القناة.
- القطاع غير النفطي: إشارات توسع لكنها تحتاج استمرارية: صعود PMI فوق 50 يعطي خبرًا جيدًا للأنشطة المرتبطة بالاستهلاك المحلي والخدمات والتصنيع. لكن التحدي هنا أن هذا التحسن يحتاج استمرارية ليتحول إلى توظيف أقوى واستثمار أعلى، خاصة مع حساسية الشركات لتكلفة التمويل، وتقلبات الطلب، وتكاليف المدخلات.
- النمو الكلي: توقعات دولية تميل للتحسن النسبي: صندوق النقد الدولي رفع تقديراته لنمو الناتج الحقيقي في السنة المالية 2025/2026 إلى 4.5% وفق تغطية صحفية نقلًا عن تقرير WEO، مع توقعات بتباطؤ التضخم مقارنة بسنة سابقة وهذه نظرة متفائلة بحذر تعكس أن مسار الاستقرار الكلي ممكن، بشرط استمرار الإصلاحات وتحسن مناخ الأعمال.
توقعات النمو ودور السياحة والتحويلات في دعم الاقتصاد المصري
أظهرت البيانات الرسمية أن الاقتصاد المصري حقق معدل نمو بلغ حوالي 4.4% خلال السنة المالية 2024/2025، مدفوعًا بتحسن نشاط القطاعات غير النفطية وزيادة إيرادات السياحة والتحويلات من المصريين في الخارج، التي كانت من أعمدة الطلب الكلي وأسهمت في دعم الاستهلاك والإيرادات بالعملة الصعبة.
وفي منظور متوسّط المدى، تبرز توقعات وكالة ستاندرد آند بورز (Standard & Poor’s) لمؤشرات أداء الاقتصاد المصري نماذج إيجابية للنمو المستقبلي، إذ توقّعت أن يصل معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.8% خلال 2025/2026، ثم نحو 4.7% خلال 2026/2027، وقد يرتفع إلى 5% خلال 2027/2028 في ظل استمرار الإصلاحات، واستقرار السياسات الاقتصادية، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص في عملية الإنتاج والتحول نحو قطاعات أكثر قيمة مضافة.
المخاطر والتحديات
أهم التحديات التي قد تعيد الضغط على السوق تتمثل في: عودة اضطراب التجارة عبر البحر الأحمر وتأثيره على القناة، أي ارتداد في التضخم الأساسي، وتذبذب تكلفة التمويل عالميًا.
كما أن أي صدمة في أسعار الطاقة أو الغذاء عالميًا قد تنعكس سريعًا على الأسعار المحلية.
وباختصار: تحسن البيانات لا يلغي المخاطر، لكنه يغير زاوية النظر من أزمة مستمرة إلى مرحلة توازن تحتاج إدارة دقيقة.
نصائح عامة
- تابع التضخم العام والتضخم الأساسي معًا، لأنهما قد يرويان قصتين مختلفتين.
- راقب PMI شهريًا كمؤشر مبكر لاتجاه النشاط قبل صدور أرقام النمو.
- انتبه لبيانات الاحتياطي الأجنبي لأنها تعكس مرونة الموقف الخارجي.
- ضع في الاعتبار أثر الجيوسياسة على التجارة وقناة السويس كعامل قد يغير التوقعات بسرعة.
خاتمة
تُظهر آخر تطورات الاقتصاد المصري أن السوق يتحرك في اتجاه أكثر توازنًا مقارنة بمرحلة التضخم الحاد: تراجع في التضخم السنوي، تحسن في مؤشرات النشاط غير النفطي، واحتياطي أجنبي عند مستويات داعمة.
لكن الصورة ليست وردية بالكامل؛ فالتضخم الأساسي ما زال يستحق المراقبة، والاقتصاد يظل حساسًا لصدمات التجارة والجيوسياسة.
قراءة البيانات الأخيرة تقترح أن المرحلة الحالية هي مرحلة تثبيت مسار أكثر منها انطلاق كامل، والفيصل سيكون في استدامة التحسن خلال الأشهر المقبلة
